ابن عربي

50

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

يحيى ، فهذا مقام أول لهذا المقام الثاني ، فإن يحيى من الحياة ، وهي مسخرة لعيسى عليه السلام فإنه كان يحيي الموتى ، لهذا قلنا فيه أعلى في قوله « وَالسَّلامُ عَلَيَّ » فعرّف عليه السلام بما له قبل فطامه ، وحكم على نفسه بالاستقامة قبل استحكامه ، وشهد لنفسه بقبول الوصية الإلهية ، بالصلاة النورية والزكاة البرهانية ، وسلم على نفسه في الثلاثة الأحوال ، فإنه لما كان عليه السلام في المهد دلالة على براءة أمه مما نسب إليها لم يترجم عن اللّه إلا هو بنفسه ، فقال « وَالسَّلامُ عَلَيَّ » يعني من اللّه ، لعلمه بمرتبته من ربه وحظه « يَوْمَ وُلِدْتُ » بما نطقت فيكم به من أني عبد اللّه ، فسلمت من انتساب وجودي إلى سفاح أو نكاح ، ويعني له السلامة في ولادته من تأثير العبد المطرود الموكل بالأطفال عند الولادة ، حين يصرخ الولد إذا وقع من طعنته ، فلم يكن لعيسى عليه السلام صراخ ، بل وقع ساجدا للّه تعالى « وَيَوْمَ أَمُوتُ » يكذّب من يفتري عليه أنه قتل ، فلم يقل ويوم أقتل ، فكأنه يقول : فأسلم من وقوع القتل الذي ينسب إلي من يزعم أنه قتلني ، وهو قول بني إسرائيل ( إنا قتلنا المسيح ابن مريم ) فأكذبهم اللّه فقال ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) فقال لهم إن السلام عليه يوم يموت سالما من القتل ، إذ لو قتل قتل شهادة ، والشهيد حيّ غير ميت ، ولا يقال فيه إنه ميت كما ورد عندنا النهي في ذلك ، وكذلك لم يزل الأمر ، فأخبر أنه يموت ولا يقتل ، فذكر السلام عليه يوم يموت « وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا » ثم ذكر أن السلام عليه يوم يبعث حيا في القيامة الكبرى ، أكّد موته ، والقيامة موطن سلامة الأبرياء من كل سوء ، مثل الأنبياء وغيرهم من أهل العناية ، فهو صاحب سلامة في هذه المواطن كلها ، وما ثم موطن ثالث ، ما هي إلا حياة دنيا وحياة أخرى بينهما موت ، ثم نزه نفسه تعالى عما قاله أهل الضلالة من الضلال ، فقال . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 34 إلى 36 ] ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 )